وكالة مهر للأنباء- وردة سعد: في لبنان الرسالة و الوطن النهائي لجميع ابنائه. نرى تهويل وتهديد ووعيد وتضييق ومحاولة فرض حصار اجتماعي اقتصادي على المقاومة وعلى بيئتها بالاستعانة بالقريب و البعيد حتى اعداء هذا الوطن و للأسف برعاية سلطة صنعتها الادارة الاميركية، نسمع خطاباً طائفياً متشنجاً يعيدنا الى سنوات خلت شوهت وجه لبنان عربي الانتماء، فقد تشرذم وتم تقسيم هذا الوطن الى جماعات طائفية و مذهبية و حتى مناطقية لسنوات عدة، و قد زاد هذا الامر حدة راهناً مع وجود الطفرة التقنية و وسائل التواصل الاجتماعي التي أتاحت لكل شخص منبر إعلامي و هو في بيته، وكل هذا بسبب ان فئة من من اللبنانيين اختارت ان تدافع عن سيادة واستقلال وحرية وطنها في وجه عدو صهيوني متوحش متربص بلبنان شراً حتى قبل وجود المقاومة الحالية التي جائت كرد فعل على العدوان و الاحتلال و يعيبون عليها مطالبها الوطنية بتحرير الارض و اعادة الاعمار و اطلاق الاسرى، الا ان السلطة الراهنة اختارت التفاوض المباشر او الاذعان مسبقاً لما يقرره الوسيط الأمريكي غير النزيه و المنحاز مسبقاً للعدو الصهيوني مما أدى إلى التنازل الكبير عن حقوق الوطن، بدل من ان تنطلق من ورقة القوة الا وهي المقاومة في و عدم الاستفادة مما جرى في باكستان بين الجمهورية الاسلامية و أمريكا من بنود تفاهم حيث جعلت ايران ازمة لبنان في صدارة أولوياتها ،اختارت هذه السلطة ان تكون في موقع الضعف و هي (تفاوض) أدهى عدو مجرم لا يقيم للاتفاقات وزناً . هذه العناوين وغيرها كانت محور الحوار الصحفي الذي اجرته مراسلتنا لوكالة مهر وردة سعد مع المفتي الجعفري الممتاز سماحة الشيخ احمد قبلان:
في آخر بيان صدر عن سماحتكم حذرتم من تداعيات الخطاب الطائفي والسياسي على الاستقرار الداخلي! وقلتم إن "البلد والمنطقة فوق برميل بارود، ولا شيء أخطر على لبنان من الحقد والتحريض والترويج للفتنة الطائفية والسياسية"، هل ترون ان الوضع فعلا بهذه الخطورة؟ وهل تقرأون فيما أسميتموه الارتزاق الاعلامي والجنون السياسي استهدافاً ممنهجاً للشيعة في لبنان؟
"طبعاً البلد مأزوم بشدّة، بل الأزمة فيه تطال هيكله التكويني ودواعي النشأة التاريخية للبنان، والخطاب الطائفي والسياسي الذي يُعيد فرز البلد إنما يطال البنية الرئيسية له، والمشكلة الرئيسية بالمشروع الأميركي الصهيوني الذي يريد توظيف لبنان بمصالحه ولا يترك أي فرصة أو مساحة سواء كانت سياسية أو أمنية أو إعلامية إلا ويستثمر فيها بكل إمكاناته بهدف الخلاص من واقع لبنان الممانع، ولذلك قلنا للسلطة وللقوى السياسية أنه لا يمكن توظيف الصراع السياسي والطائفي بمشروع إدارة البلد، كما أن الاختلاف على هوية لبنان وخياراته يضعنا أمام مستعمرة طوائف تخدم مشاريع تل أبيب على حساب الصيغة اللبنانية، والمشكلة هي بالسلطة التي تمّ فرضها على مؤسسات القرار السياسي بالبلد من خلال استثمار واشنطن وحلفائها بنتيجة الحرب، ولأنه لا بديل عن لبنان ولأن المشكلة العميقة هي بالالتزامات الجانبية للسلطة ولأن الفريق السياسي الجديد غارق بالتبعية لواشنطن وحلفها الإقليمي، كان لا بدّ من لفت نظر الشعب اللبناني والقوى السياسية إلى أن هذه السلطة تأخذ البلد نحو كارثة داخلية، خاصة أن مركز قوة ممانعة هذا البلد يمكنه الدفاع وبشراسة وثبات عن هوية لبنان وخياراته السيادية، وللأسف السلطة في الحرب الأخيرة (حرب شهر رمضان) كانت إلى جانب واشنطن بالمطلق، وهذا ما دفعها للتخلي عن أي قدرة وطنية دفاعية لصالح البلد، بل على العكس انسحبت من المشهد الوطني بالمطلق إلا من المواقف السياسية اليومية التحريضية على المقاومة وشعبها، ورغم ذلك انتهت الحرب أن أكبر ترسانة تاريخية بشراكة واشنطن وتل أبيب والأطلسي انتهت على تخوم المناطق الحدودية، هذا بنفسه خسارة استراتيجية لتل أبيب، والأشياء بخواتيمها، وخواتيمها ستصبّ لصالح البلد وشعبه ولصالح المقاومة التي قادت أكبر ملحمة صمود استراتيجي ليبقى لبنان، ولا خطورة بعد فتنة السلطة أكبر من الإعلام المرتزق الذي يعمل تحت توجيهات تخدم مشاريع السلطة الاستسلامية، خاصة أن الحكومة الصهيونية أقرّت أنها أنشأت وحدة إعلامية مشتركة لضخّ الإعلام الأسود الذي يساعد السلطة الحالية في معركتها ضد المقاومة، وهنا مكمن الخطر، لأن تل أبيب تريد حرق لبنان من الداخل، ومع ذلك قلنا ونقول بأن لبنان أعقد من مشاريع الورقة الصهيونية، بل زمن صهينة لبنان انتهى، ولن يبقى لبنان إلا لشعبه وصيغته الوطنية السيادية إن شاء الله.
أما بخصوص أزمة البلد والمنطقة، نعم البلد والمنطقة فوق برميل بارود، لأن واشنطن تتعامل مع خسارتها وخسارة تل أبيب بحربها ضد إيران على طريقة "النمر الجريح"، وواقع المنطقة اليوم تختصره السيطرة التامة لطهران على مضيق هرمز، والدمار الاستراتيجي الذي لحق بالقواعد الأميركية، مما دفع واشنطن للتفكير الجدي ولأول مرة بنقل ثقلها الاستراتيجي من منطقة الشرق الأوسط نحو أوروبا سيما بعض دول أوروبا الشرقية. وهذا يعني أننا ما زلنا في مخاض أكبر حرب مصيرية، ولذا قلنا للسلطة بأن الحل بالخروج من هذه التبعية المطلقة لواشنطن والالتزام بالأولويات اللبنانية السيادية والوطنية، وهذا ما لا تريده السلطة الحالية. أما الارتزاق الإعلامي فهو وفق اللعبة الجديدة يستهدف صميم لبنان، وعينه على الطائفة الشيعية بالخصوص بهدف الخلاص من تكوينها السيادي والوطني والسياسي، والسبب أن وجود وفعالية هذه الطائفة يتعارض مع المشروع الأميركي الذي يريد صهينة البلد، وهنا خطورة ما تقوم به السلطة والأبواق المتصهينة، لأن ذلك يكاد يضع البلد في قلب أخطر حرب أهلية."
وصفتم السلطة السياسية بأنها تحولت إلى فريق سياسي وزاروب حزبي، واعتبرتم ذلك أمرا كارثيا على البلد. ما هي الاسباب التي دفعت السلطة الى هذا المستوى من مخالفة الدستور والاعراف القانونية؟ وهل هذا يعني قطيعة مع هذه السلطة وانعداماً للثقة فيها؟
"مشكلة هذا البلد الجذرية أنه يعتاش منذ نشأته التاريخية على التبعية السياسية والتي تتعارض مع سيادته كدولة مستقلة لها شرعيتها الوطنية ولها منظومة قانونية ولها قواعد ناظمة وضامنة، وحتى هذه اللحظة لا يريد هذا الفريق وأمثاله الخروج من هذا النوع الذي يصادر الدولة وخيارات السلطة السياسية والقانونية، كل ذلك بعيداً عن أي منطق قانوني أو ميزان وطني، والسبب لعبة المطابخ الدولية الإقليمية وأهدافها، والسلطة الحالية باعتقادها الواهم أن واقع الحرب الأميركية الصهيونية الأطلسية بعد الطوفان يخدمها، ولذلك وضعت كل أوراقها عند واشنطن وتنازلت عن السيادة الوطنية من خلال ما يسمى "اتفاق الإطار" الذي يُهدّد السيادة والأمن الوطنيين، والطموح كان بتجريد المقاومة من سلاحها إلا أن نتائج الحرب الأخيرة قَلَبَ فعالية المعادلة الأميركية الصهيونية، فالسلطة الحالية الآن تعيش من دون وزن وطني، وواشنطن لا تقرأ الضعاف، فضحّت بها من دون أن يرفّ لها جفن، ومع ذلك السلطة ما زالت تراهن وتعوّل على أي تحوّل إقليمي أو دولي يغيّر قواعد اللعبة الجديدة، ولكن واقع الشرق الأوسط أكبر بكثير من أمانيهم، لذلك قلنا أن إصرار السلطة الحالية على لعب دور سلطة وصاية حوّلها إلى فريق ضعيف يُفتّش عن نفسه بين الزواريب والإعلام المرتزق وفتات الدعم الخارجي، وهذا ليس قطيعةً مع الأعراف والتقاليد فحسب بل مع صيغة التكوين الوطني للبنان".
المنطقة كلها تعيش مخاضا صعباً ومصيرياً على ما يبدو.. والبعض يتحدث عن اعادة تشكيل للجغرافيا والديموغرافيا لشعوب المنطقة على اسس طائفية او عرقية.. كيف تنظرون سماحتكم الى المسارات التي تتجه اليها الاحداث؟ وهل أنتم قلقون على الجنوب خصوصا ًوعلى لبنان عموماً؟ وهل لا تزال المقاومة ضمانة لدرء هذه المخاطر ؟
" لا ضامن للبلد أكبر من المقاومة ولولا المقاومة لانتهى لبنان، خاصة أن السلطة السياسية في هذا البلد منعت وما زالت تمنع الجيش اللبناني وبإصرار من أن يدافع عن الجنوب بل عن لبنان، وللأسف وللخزي هذه عادة السلطة وهذا الفريق منذ التاريخ الأول لتأسيس لبنان، ويكفي أن حجم الدعم الأميركي الأطلسي لإسرائيل لابتلاع الشرق الأوسط ورغم ذلك لم تستطع تجاوز منطقة عليّ الطاهر، والقضية في هذه الحرب المصيرية ليس لبنان فحسب بل المنطقة كلها، لأن واشنطن تريد صهينة الشرق الأوسط وتطويق الصين من خلال نفط الشرق الأوسط، وليس هناك عائق أمامها إلا إيران ومحورها المقاوم، ولذا نقلت واشنطن لمنطقة الحرب التي ستشنّها وشنّتها على إيران أغلب قوتها العالمية، ومع ذلك خسرت الحرب ودُمّرت أهم قواعدها العسكرية في المنطقة، وهي تعيش الآن عقدة هذه الحرب بخلفية التعويض عنها، ومنذ توقيع مذكرة التفاهم إلى الآن المنطقة تعيش مخاض هزيمة واشنطن، كل ذلك وسط سيناريوهات تضع المنطقة فوق برميل بارود، ولكن لا شكّ بأن الترسانة الصاروخية الإيرانية صدمت الجميع، مضافاً إلى ما يحيط بها من أدوات إستراتيجية فضلاً عن مضيق هرمز، هذا كلّه حدَّ من قدرات واشنطن ودفعها نحو الضغط الاقتصادي الأشدّ، مع العلم أنها جرّبته سابقاً وبشدة وخسرت به واشنطن وربحت به طهران، إلا أنه يبقي الباب مفتوحاً أمام التحولات الكبيرة، خاصة بعد خسارة واشنطن وتل أبيب وحلفائها الإقليميين الذين لغاية الآن لم يتقبّلوا أسوأ خسارة طالت الهيمنة الأميركية في المنطقة. ولذلك نعيش القلق الموصوف على الجنوب وعلى لبنان، وخيارنا في هذا المجال المقاومة ومجتمعها والوحدة الوطنية والجيش اللبناني الوطني لأن هذه المعادلة هي الضمانة الاستراتيجية في أعقد وأدقّ لحظة تاريخية تهدد لبنان.
لبنان تحول جزءا من صراع اقليمي دولي كبير في المنطقة.. قد لا يقتصر على القطبين الرئيسيين اميركا وإيران.. فهل استطاعت الجمهورية الاسلامية مواجهة المشروع الصهيوني الامبريالي في المنطقة وإعادة رسم معادلات القوة؟ وماذا يمثل ذلك على صعيد النهضة الاسلامية وتحرير شعوب المنطقة من الهيمنة والاستضعاف ؟
" لقد ذكرنا أعلاه أن هذه الحرب أكبر من الشرق الأوسط، وأطلقت عليها بعض العقول الاستراتيجية الأميركية "حرب القرن" بالنسبة لواشنطن، وهذا صحيح، لأن هذه الحرب وفق الخرائط الأميركية هي حرب السيطرة على مناطق الطاقة في العالم، بهدف تجفيف موارد العمالقة الكبار أمثال الصين بل والهند ولملاقاة الحرب الأوكرانية الروسية على رأس جسر إستراتيجي يعيد إنتاج العالم عبر مضيق هرمز ومنطقته التي تتحكّم بعمق الهيكل العام للنظام الدولي، وما قامت به واشنطن اتجاه فنزويلا كان بهذا السياق الخطير للغاية، ومع خسارتها المدوّية أمام إيران أصبحت أميركا لاعباً مأزوماً في قضايا الشرق الأوسط والعالم وهي الآن تتوسّل العالم كي يساعدها في فتح مضيق هرمز دون جدوى، وهذه النتيجة التاريخية بميزان القوة الجديد أعطت إيران مؤشر الأفضلية في قضايا الشرق الأوسط، وهو ما انعكس على المسارات المختلفة في الشرق الأوسط ومنه لبنان، ويكفي للتدليل على ذلك بإدراج لبنان بالبند الأول فيما خصّ مذكرة التفاهم، كما يجري الآن مخاض كبير وهائل وجولات غير متجانسة حول شروط القوة التنفيذية لهذه المذكرة، وتبقى العين على إيران الإسلامية لأنها تعيد شرق أوسط بهوية وميزان قوة جديد، ولا شك أن المصلحة الكبرى بما يجري هو لشعوب المنطقة وأنظمتها بل لا مصلحة للدول الإسلامية والعربية أهم من هذه اللحظة، لأن أميركا الآن تعاني من شلل نصفي ولولا تجيير بعض دول المنطقة ما تلمك من بنية عسكرية ولوجستية لواشنطن لانتهى أمرها في هذه المنطقة منذ اليوم الذي تمّ الإعلان فيه عن وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن."
الامة تعيش هذه الايام في اجواء ذكرى الاربعين لدفن المرشد القائد الشهيد السيد علي الخامنئي رضوان الله عليه.. ماذا يمثل هذا الرمز والقائد الرؤيوي ذو البصيرة في تاريخ الامة الاسلامية ومعاركها في مواجهة الاستعمار والاستلاب الثقافي من جهة؟ وما الاثر والارث الذي تركه في الاجيال القادمة برأيكم ؟
"مع الإمام الشهيد القائد السيد علي الخامنئي (قدس سره الشریف) لا نتحدث عما سيقع بل بما وقع، نتحدث عن أسطورة وعن المعادلات التي قلبت التاريخ وأدهشت مراكز التفكير، لأن المعادلة الشرق أوسطية اليوم هي معادلة الإمام الشهيد التي عمل عليها مع طواقمه وعلمائه ليُقدّم للعالم والمنطقة قوة وقدرة إيرانية متنوّعة ببنية تحتية علمية وفكرية وإبداعية وتقنية وعسكرية ستقود حرب القرن في وجه الطغيان العالمي المتمثّل بأميركا وتل وأبيب وغيرهم وتربح هذه الحرب بطريقة صادمة للعالم، وهذا ما حصل ويحصل، وهو الذي وضع إيران اليوم في مقام الندّ المعجِز، ولذلك ما قام به الإمام الخميني(قدس سره الشریف) إبداع في عالم النظام الثنائي الذي كاد يبتلع العالم، ومن يستطيع أن يحمل عقله وإرثه سيكون معجزة القرن الجديد، وهذا ما حمله ووظّفه وطوّره الإمام الشهيد السيد الخامنئي(قدس سره الشریف)، ولذلك فإن العالم اليوم يقرأ شخصية الإمام الخامنئي من جديد لأنه ليس مجرد فقيه استثنائي طوّع الفكر الفقهي ليكون دليل عظمة إيران التي قدّمت للعالم وللتاريخ والإنسانية نموذجاً جديداً من جدلية العقول الأفكار ومفهوم الحياة، بل لأنه يقرأ معاجم القرآن وقاموس النبي الأعظم وأهل بيته(ع) وعلى طريقة "العلماء ورثة الأنبياء"، وبطريقة تليق بمن يرث عن علي بن أبي طالب(ع) كيفية توظيفات العقول التي صدمت وتصدم مراكز التفكير في العالم والتي وضعت هذه الدولة أمام تحوّل جديد يليق بالتمهيد للإمام الحجّة المهدي المنتظر(عج)، وهي في سياق هذا الهدف الكبير إن شاء الله ستشقّ طريق الريادة العالمي بمنطق وقيم وأدوات مختلفة تماماً عن منطق الانتحار الحضاري والجوع الإنساني الذي تقوده واشنطن حلفاؤها ومن يشبه هذه الكيانات المجرمة بحق الإنسانية.
نرجو من الله سبحانه وتعالى أنه مع إرث وفكر الإمام الشهيد أن نتابع مع عقل آية الله السيد مجتبى الخامنئي (حفظه الله) هذا الطريق العظيم وما يلزم لإنتاج خرائط الحضارة الجديدة، ومعه ومع شعب إيران ومؤسساتها وأطيافها وإدارتها سيشهد الشرق الأوسط بل العالم نموذجاً آخر من الإبداع والمعاجز التي ستضع إيران الإسلامية في مقام أهم نماذج الحضارة والتاريخ.

تعليقك